الكاتب أنس الرشيد: يا عزيزي كلنا صحويون

[ad_1]

في مقاله بعنوان “يا عزيزي كلنا صحويون” بصحيفة الوطن قال الكاتب انس الرشيد: هذا العنوان يتناصّ مع فيلم «يا عزيزي.. كُلنا لصوص»، حيث يوقع الفيلم المتلقي في ورطة مفهوم «اللصوصيّة» ما بين لص قطاع عام (عبدالله بهنسي = صلاح قابيل)، ولص قطاع خاص (مرتضى السلاموني = محمود عبدالعزيز). تطرح الحكايةُ سؤالَ «اللصوصيّة»، وعلاقته بمنظومة تفكيرنا، أي حين نتداول مفهوما معبأ بالمعاني الكلية، فإنَّ نقيضه «اللا لصوصية»، وهو معنى مرتبط بالمطلق الذي نُشير إليه بالكمال، مع أنَّ الذي نعطيه هذه الصفة «الكاملة» هو من داخل المجتمع ومفاهيمه، ومن هُنا جاءت جملة «يا عزيزي.. كلنا لصوص»، أي أنَّ «اللا لصوصية» غير متحققة -فعليا- ما دمنا نحن من يصنع المفاهيم، ونربطها بحقيقة موضوعية؛ إذ تحققها «مفاهيمي» وحسب، يعطيه الأقوى لمن يشاء.

وهذا يحيلني إلى مفهوم «الصحوة» و«اللا صحوة»، إذ يقول علي حرب: «لقد التقيتُ، في 2016، وزير الصحة العُماني، وهو طبيب، وليس مثقفًا محترفًا، وقد فاجأني بقوله ليّ: إنَّه تعرَّف إليَّ عبر كتابي «نقد الحقيقة»، الذي لفتَ نظره بعنوانه، واستدرجه إلى قراءته. ومغزى الحكاية أنَّ الفلاسفة يقدّمون أنفسهم، أو يعتبرهم الناس، بوصفهم باحثين عن الحقيقة أو عشاقَها أو شهداءَها، فإذ بالكِتابُ يسير عكس التيار؛ لكي يتحدث عن نقد الحقيقة».

ولتوضيح الارتباط بين «كلنا لصوص» و«كلنا صحويون»، فإنني سأوظف تعبير «الما بعد» = «ما بعد الحداثة – ما بعد الصحوة»؛ إذ حين نقول: ما بعد «الحداثة»، فإنَّنا نجرُّ معنا لفظَ «الحداثة» لما بعدها، أي أنَّ ثمة ما هو متداخل بين الحداثة وما بعدها بشكل من الأشكال. ومِن هُنا، فإنَّ فلاسفة ما بعد الحداثة ليسوا على نمطٍ واحد في التعاطي مع المفاهيم والأفكار، فقد يتداخل بعضهم -مع الحداثة- حدَّ التقارب الواضح، وقد يبعد آخر حدّ النقض الجذري. ومثل ذلك في مفهوم الصحوة؛ إذ «ما بعد الصحوة» يجعلنا نجرّ معنا لفظ «الصحوة»، بشكلٍ من الأشكال، فنتقمص ممارساتها، وتتحول الصحوة إلى آلية سلطة خفية، تُمارس من قِبل أبعد من يُظن أنه غير صحوي، فيأتي سؤال: هل «الصحوة» مجرد ظرف ثقافي منبت عن جوهرٍ تاريخي معقود به؟ أم هي مرحلة تاريخية متداخلة مع مركز أصيل؟، كما هي «الحداثة» بالنسبة لما بعدها؛ إذ الذاتية ومركزيتها الحداثية، ونتائجها في المجالات المتعددة، تُطارد فلاسفة «ما بعد الحداثة». ومن هُنا، فإنَّ إغلاق الصلة مع «الحداثة» هو الذي يعطي الفيلسوف وصف «الما بعد» دون لفظ «الحداثة».
أما الذي يُبقي أساس «الحداثة»، ويتعاطى معها كظرف تاريخي فحسب، ويرى الدخول في مرحلة «ما بعد الحداثة» كبُنى متجاورة مع أصل الحداثة، فإنَّ لفظ «الحداثة» سيكون مقرونًا بوصفِه، أي «ما بعد حداثي» تحديدا. ومثله من يقول إنَّ «الصحوةَ» منبتةٌ عن جوهر مركزيتها، إذ هي ظرف، له ما للظروف من إقبال وإدبار، كما نجد مثلا عند من قال: «…على أنَّ كلا الزعمين غير صحيح؛ لأنهما معًا يخلطان بين الظرفي والجوهري، فـ«الصحوة» ظرف ثقافي نشأ لأسبابٍ رمزية، وتراجع بسبب أخطاء وقع فيها». «الصحوة» انفجار ظرفي مؤسساتي معقود بأصلٍ قديم، جاء من الفعل الحركي الذي هو ظرف تاريخي ضمن خطاب تاريخي هو موضوع السلطة الأساس، تلك التي وضعت قواعدها في النظر للحقيقة المطلقة من واقع مفارق تأسيسي/‏إسنادي. ومع تغيرات الظروف بحسب التاريخ الإسلامي يتغير نوع الفعل، ومن ثم لما تغير الفعل، ليتوازى مع عصر المؤسسات والأيديولوجيات الكبرى في العالم العربي، تحوّل الفعل «صحا» إلى أن يكون مؤسساتيًا، فاصطُلح -بسبب ظروف المنطقة- على تسميته «الصحوة» كظرف تاريخي ممتد مع الفعل الصحوي «الما قبل»، ومن ثم رأينا مرحلةَ «ما بعد الصحوة» تجرّ معها معانى تاريخية استبدادية بشكلٍ من الأشكال. وهنا يحضر «ريتشارد رورتي» في رؤيته عن «البراغماتية» كمناهضة لـ«الاستبداد»، حين جمعَ بين انتقاد البراغماتية الحقيقة، وانتقاد التنوير الأخلاق. ونقد البراغماتية مفاده أنَّ الحقيقةَ ليست هي التطابق مع جوهر الواقع، ونقد التنوير مفاده أنَّ الأخلاقَ ليست هي مسألة التوافق مع الإرادة الإلهية. ومن ثم، فإنَّ تفسيرات البراغماتية للحقيقة -بحسب رورتي- هي -من بين أمور أخرى- احتجاج على فكرة أنَّ البشر يجب أن يتواضعوا أمام شيء غير بشري. وبالنظر هذا قد يحصل الانتقال إلى مرحلة «الما بعد» دون أن يُجر معها لفظ «الصحوة»، إذ إنَّ فتحَ مفهوم الحقيقة على احتمالاته، وإعادة صوغه وبنائه، من خلال المجال العملي، ربما يزيل حمولات التاريخ دون القفز على الواقع، وإنكار الحقائق.

المصدر: صحيفة الوطن

[ad_2]

المصدر

تم النشر في
مصنف كـ خدمات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *